شبكة الملحدين العرب  |  المنتدى

جميع المدونات [1]

xx عودة منتدى إلحاد، وبانتظار عودة شبكة اللادينيين العرب - [الحوار المنوع]
02/01/2007, 01:00:28
الأصدقاء والزملاء؛
يسرني أن تكون أول مشاركاتي في منتدى الملحدين العرب الصديق بمناسبة عودته بعد الاختراق البشع الأخير.
وأود أن أسجل هنا  تضامني الكامل مع إدارته التي استطاعت تجاوز هذه الأزمة، متمنياً النجاح بإعادة منتدى اللادينيين العرب والذي كما يعلم الجميع قد تعرض للاختراق من قبل نفس الجهة التي تمثل من خلال تخريبها الاخير كل ما هو ظلامي وبائس.
ولا يراودني شك أن التضامن الذي أعبر عنه مع منتدى الملحدين العرب هو شعور معظم الأصدقاء والزملاء في منتدى اللادينيين العرب.

تحياتي الخالصة.

xx عن الفلسفة الوجودية - [فلسفة و علم اجتماع]
21/01/2007, 17:30:15
إ.م. بوشنسكي
ترجمة : د. عزّت قرني

أصبحت الفلسفة الوجودية حديث الجمهور وموضع الاقبال في عدد من البلاد بعد الحرب العالمية الثانية. ورغم ان كتاب جان بول سارتر "الوجود والعدم" كتاب شديد الصعوبة، وتتطلب قراءته معرفة متعمقة بتاريخ الفلسفة، وان تحليلاته شديدة التخصص وشديدة التجريد بحيث أنه لا يقدر على متابعتها إلا فلاسفة خبراء وجيدي التكوين. على الرغم من كل هذا إلا أن الكتاب لاقى نجاحاً عظيما.

ولا شك أن الفلاسفة الوجوديين الفرنسيين قد صنعوا لأنفسهم جمهوراً واسعاً بفضل ما كتبوه من روايات ومسرحيات. ولكن هذه الشعبية ذاتها ولّدت ألواناً من سوء الفهم المختلفة بإزاء الوجودية الفلسفية. وينبغي علينا منذ الابتداء إزالة ألوان سوء الفهم هذه (…) ببيان ما ليس من الفلسفة الوجودية وما ليست هي عليه.

ومن الواضح ان الوجودية تتناول مشكلات تسمى اليوم مشكلات "وجودية" للانسان، من مثل مشكلة معنى الحياة، مشكلة الموت، ومشكلة الألم بين مشكلات أخرى. ولكن الوجودية لا تقف عند حد تناول هذه المشكلات، لأنها مسائل مما تتناوله كل العصور بالمعالجة.

ومن الخطأ الشديد أن يُسمّى "القديس أوغسطين" أو باسكال وجوديين، لمعالجتهما أمثل هذه المسائل. وسيكون خطأ كذلك إلقاء التسمية الوجودية على كتّاب أوربيين من القرن العشرين الميلادي؛ من مثل الناقد الاسباني ميجل دي أونامونو (1937 – 1861م) والروائي الكبير فيدور دستويفسكي (1821 – 1881م)، والشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926م). فهذه المجموعة من الكتاب والشعراء تناولوا في أعمالهم عدداً من المشكلات الإنسانية المتنوعة بطريقة شديدة التأثير، ولكن هذا لن يجعلهم مع ذلك من فلاسفة الوجود.

وخطأ آخر أني سمى الفلاسفة الذين يدرسون الوجو د معناه الدقيق، أو يدرسون الموجود الكائن، أن يسموا بالوجوديين. ويضل بعض أتباع المذهب "التوماوي"(نسبة إلى "توما الأكويني") ضلالاً بعيداً حين يزعمون أن القديس توما الأكويني من أسلاف الوجوديين.

وسوء فهم آخر لا يقل فداحة عن سابقه هو ذلك الذي يريد أن يدخل "هسرل" في ضمن تيار الفلسفة الوجودية. لا لشيء إلا لأنه أثر عليها تأثيراً عظيماً. فالواقع، أن "هسرل" يضع الوجود بين قوسين.

أخيراً فإنه يجب أن تحدد الفلسفة الوجودية بمذهب وجودي واحد.وليكن مثلاً فلسفة سارتر، لأنه تقوم فروق جوهرية بين المذاهب الوجودية بعضها والبعض كما سنرى.

في مقابل ألوان سوء الفهم هذه جميعاً. فإن المؤكد أن الفلسفة الوجودية تيار فلسفي لم يتشكل إلا في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي في الحضارة الغربية. وان أصوله لا تتعدى كيركجارد، وأنه نما وتطور وظهر على هيئة عدة مذاهب متباينة. والجزء المشترك فيما بينها هو وحده الذي يستحق أن يسمى عن حق بأنه "الفلسفة الوجودية".

الفلاسفة الوجوديون
نظن أنه من المناسب، في إطار هذا العرض، أن نجمع أولاً الفلاسفة الذين يعدون ضمن المدرسة الوجودية. وان نحاول ثانياً، استخلاص ما يجمع بينهم ويكون مشتركاً عندهم.

هناك فلاسفة أربعة على الأقل، في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي يوصفون بأنهم وجودين من غير منازعة من أحد: جابريل مارسل، كارل ياسبرز، مارتين هيدجر، وجان بول سارتر. وهم جميعاً يعلنون انتسابهم إلى "كيركجارد" الذي يعد فيلسوفاً وجودياً مؤثراً في القرن العشرين، رغم بعده في الزمان.

وفيما عذا هؤلاء الأربعة البارزين، فإنه لا يوجد كثيرون غيرهم يمكن عدهم وجوديين، على المعنى الدقيق، على الرغم من أن الاتجاه الوجودي لاقى اهتماماً عند عدد من الفلاسفة، وتأثر به البعض. ويمكن ان نشير هنا إلى معاونة سارتر، وهي "سيمون دي بوفوار"، وعلى الأخص "موريس ميرلو-بونتي"، وهو واحد من أ هم العقول في الفلسفة الفرنسية في منتصف القرن العشرين الميلادي.
ويمكن أن نشير إلى مفكرين روسيين هما: نقولاس برديانيف (1874-1948م) وليون شسشوف (1866 – 1942م) اللذين عرفا عن طريق كتاباتهم بالفرنسية. ونذكر كذلك المفكر البروتستانتي المشهور كارل بارت (ولد عام 1886م) والذي تأثر بكيركجارد تأثراً ملحوظا. ومن جهة أخرى فإنه سيكون من الخطأ أن نعد "لوي لافل" بين الوجوديين بينما هو في الحقيقة من فلاسفة الوجود (…).

لقد مات كيركجارد عام 1855م. وفي عام 1919م يظهر ياسبرز مع كتابه سيكولوجيا النظرة إلى العالم، ثم يظهر في عام 1927م كتاب مارسل "يوميات ميتافيزيقية". وكذلك كتاب هيدجر "الوجود والزمان". وفي عام 1932م يظهر كتاب ياسبرز "فلسفة"، ويظهر كتاب سارتر "الوجود والعدم" عام 1943م. ونلاحظ أن الوجودية لم تنل انتشاراً في البلاد المتكلمة بلغات نشأت عن اللاتينية، وخاصة في فرنسا وإيطاليا، إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بينما كانت مؤثرة تأثيراً قوياً في ألمانيا منذ حوالي 1930م.

أصول الفلسفة الوجودية

أشار الكتّأب من قبل الى الأهمية الكبرى لمؤلفات سورين كيركجارد (1813 – 1855م) بالنسبة إلى الوجودية. ولم يحظ هذا المفكر البروتستانتي الدانماركي، في أثناء حياته ذاتها، إلا بتأثير لا يكاد يذكر، ويعود السبب في إعادة اكتشافه في خلال القرن العشرين الميلادي الى الصلة الوثيقة التي تربط بين فكرة التراجيدي (المأساوي) والذاتي وروح الحضارة الغربية في خلال القرن العشرين الميلادي. وقد قدم جابريل مارسل أفكاراً قريبة من أفكار كيركجارد، في وقت لم يكن قد عرف فيه بعد كتب المفكر الدانماركي.

ولم يقدم كيركجارد نظاماً فلسفياً بالمعنى المعروف، إنما هو يها جم أعنف هجوم فلسفة هيجل، وذلك بسبب طابعها "العمومي" وبسبب اتجاهها الموضوعي. وهو ينكر إمكان التوفيق والمصالحة. أي إمكان هدم المعارضة بين القضية ونقيضها في تركيب جديد عقلاني ومنظم. ويؤكد كيركجارد أولوية الوجود على الماهية. وربما كان هو أول من أعطى كلمة "وجود" معناها "الوجودي".

وكيركجارد معارض للعقل إلى أقصى درجة. فهو يرى انه لا يمكن أن نصل إلى الإله بوسيلة طرائق الفكر. لأن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات. ويعتبر أن كل محاولة من أجل إضفاء طابع عقلي عليها هي تجديف وكفر.

وقد جمع كيركجارد إلى نظريته عن القلق، نظرية في وحدة الانسان الفرد وعزلته عزلة كاملة في مواجهة الإله. ونظرية في المصير التراجيدي (المأساوي) للانسان. وقد رأى أن اللحظة هي تركيب يجمع بين الزمان والخلود.

إلى جانب تأثير كيركجارد، كان "لفينومينولوجيا" هسرل تأثير عظيم على الفلسفة الوجودية. ويستعمل كل من "هيدجر" و"مارسل" و"سارتر" بصفة عامة المنهج "الفينومينولوجي" على الرغم من أنهم لم يقبلوا قضايا هسرل الأساسية، ولا حتى موقفه المبدئي.

كذلك فإن الوجودية تأثرت تأثراً ظاهراً بفلسفة الحياة، وهي تدفع بهذا الاتجاه إلى أبعد مما وصل اليه ، بتطوير مذهبه في الفعل والنشاط وتحليلاته حول الزمان ونقده للمذهب العقلي ونقده كذلك في كثير من الأحيان للعلوم الطبيعية. ويمكن اعتبار برجسون ودلتاي وعلى الأخص نيتشه اسلافاً للوجودية.

أخيراً فإن الفلسفة الميتافيزيقية الجديدة كان لها دور هام جداً في تكون الفلسفة الوجودية. وذلك أن كلّ الوجوديين يعالجون مشكلات ميتافيزيقية بالأصالة، موضوعها "الوجود". وبعضهم، مثل هيدجر، يتميز بمعرفته المتعمقة للمذاهب الميتافيزيقية عند اليونان وفي القرون الوسطى المسيحية.

وحين يحاول الوجوديون أن يصلوا إلى الوجود في ذاته، فإنهم يجتهدون في نفس الوقت أن يتغلبوا على النزعة المثالية وأن يتعدوها. ومع ذلك، فإن بعضهم، وعلى الأخص ياسبرز، لا يزالون يخضعون خضوعاً قوياً لتأثير النزعة المثالية.

وهكذ، فإن الوجودية تظهر من معطف الاتجاهين الكبيرين اللذين قاما بقطع الصلات مع الفكر السائد في القرن التاسع عشر الميلادي. كما أنها متأثرة في نفس الوقت بحركة أخرى مميزة للفلسفة الغربية في القرن العشرين الميلادي، ألا وهي الفلسفة الميتافيزيقية.

الخصائص المشتركة بين الفلاسفة الوجوديين

أ‌) السمة المشتركة الرئيسية بين مختلف الفلسفات الوجودية في القرن العشرين الميلادي تقوم في في أنها جميعاً تتبع ابتداء من تجربة حية معاشة، تسمى تجربة وجودية. ومن الصعب تعريفها تعريفاً دقيقاً. وهذه التجربة الوجودية تختلف بين فيلسوف وآخر من هؤلاء الوجوديين.
وهكذا، فإن تلك التجربة تأخذ في حالة ياسبرز شكل إدراك هشاشة الوجود وفي حالة هيدجر شكل تجربة السير باتجاه الموت. وفي حالة سارترشكل تجربة الغثيان، ولا يخفي الوجوديون أبداً أن فلسفتهم نشأت من تجربة من هذا القبيل.
ومن هنا فإن الفلسفة الوجودية بصفة عامة، بما في ذلك عند هيدجر، تحمل طابعاً شخصياً بسبب هذه التجربة المعاشة.

ب‌) الموضوع الرئيسي للبحث الفلسفي عند الوجوديين هو ما يسمى "الوجود". ومن الصعب تعريف المعنى الذي يأخذ عليه الوجوديون تلك الكلمة، ولكنها تدل على كل حال، على الطريقة الخاصة بالانسان في الوجود. ويرى الوجوديون أن الانسان وحده هو الذي يحوز الوجود. وهم نادراً ما يستخدمون كلمة "انسان"، وانما يدلون عليه بتعبيرات مثل "الموجود – هناك". و"الوجود" و"الأنا" و "الوجود لأجل ذاته". ولنصحح قولنا ان الانسان "يحوز" أو يملك وجوده، فالانسان لا يملك وجوده، إنما الأحرى أنه هو هو وجوده.
ت‌) يتصور الوجوديون الوجود علىنحو فاعلي نشط، فلا يكون الوجود، وانما هو يخلق نفسه بنفسه في الحرية. بعبارة أخرى هو "يصير".
إن الوجود دائماً دائماً غير مكتمل، وكأنه يُبتدأ، إنه شروع واستقبال. ويؤكد الوجوديون على نحو أقوى هذا الموقف حين يقولون بأن الوجود يتماشى تماماً ويتطابق مع الزمانية.
ث‌) الفرق بين هذا الاتجاه الفاعلي عند الوجوديين والاتجاه الفاعلي عند فلسفة الحياة يقوم في أن الوجوديين يعتبرون ان الانسان ذاتية خالصة، وليس مظهراً أو تجسيداً لتيار حيوي أشمل منه (أي التيار الحيوي الكوني) كما كان الحال عند برجسون على سبيل المثال. ويضاف الى هذا أن الوجوديين يفهمون الذاتة، بمعناها الخلاق، فالإنسان يخلق نفسه بنفسه، إنه هو هو حريته هو.
ج‌) لكنه سيكون من الخطأ، مع ذلك، أن نستنتج أن الانسان عند الوجوديين منغلق على نفسه. على العكس تماماً، فإن الانسان، وهو الحقيقة الناقصة والمفتوحة، هو، من حيث جوهره ذاته، مربوط أوثق ارتباط إلى العالم، وعلى الأخص إلى البشر الآخرين.
ويقول كل المفكرين الوجوديين بهذه التبعية المزدوجة. وذلك على النحور التالي: فمن جهة، يبدو لهم الوجود الانساني مضموماً في العالم، قائماً في داخله الى درجة ان الانسان يكوندائماً في موقف مححد، بانه هو هو موقفه، ومن جهة أخرى فإنهم يرون أن هناك رباطاً وصلة بين البشر. وهذا الرباط يكوّن الطبيعة الخاصة للوجود الانساني، شأنه شأن الموقف. وهذا هو معنى مفهوم "الوجود معا Mitsein" عند هيدجر و"التواصل" عند ياسبرز و"الأنت" عند مارسل".
ح‌) ويرفض كل الوجوديين التمييز بين الذات والموضوع . ويقللون من قيمة المعرفة العقلية في ميدان الفلسفة. فهم يرون أن المعرفة الحقة لا تكتسب بوسيلة العقل، بل ينبغي بالأحرى التعامل مع الواقع. هذا التعامل أو الخبرة يتم على الخصوص بالقلق، أو في تجربة القلق، وفيه يدرك الانسان أنه موجود محدود قاصر، ويدرك هشاشة وضعه في العالم. هذا العالم الذي يلقى اليه الانسان إلقاء. ويدرك أخيراً أنه سائر إلى الموت (عند هيدجر). ومع ذلك، وبالرغم من هذه السمات المشتركة بين الفلسفات الوجودية، والتي يمكن إضافة سمات أخرى مشتركة إليها، فإنه توجد اختلافات عميقة بين ممثلي الوجودية، إذا أخذ كل منهم بمفرده.
وهكذا مثلاً، نجد أن مارسل، مثل كيركجارد، يعلن إيمانه بالألوهية، بينما يقول ياسبرز بوجود التعالي أو المتعالي. ولكن لا يمكن أن نقول ان هذا التعالي يعادل القول بوجودي الالوهية أم بوحدة الوجود والألوهية أم بإنكار الألوهية. وهذه المواقف الثلاثة يرفضها ياسبرز كلها على السواء.
أما فلسفة هيدجر فإنها تبدو فلسفة منكرة للألوهية، ومع ذلك فإن هيدجر صرح بأنه لا ينبغي اعتبارها كذلك، وان كان هذا التصريح لا يعني الشيء الكثير. أما سارتر، أخيراً، فإنه يحاول إقامة مذهب منكر للألوهية صريح ومتسق الأركان.

كذلك يتنوع الهدف والمنهج عند الفلاسفة الوجوديين، فنجد أن هيدجر يدعي أن يقدم نظرية في الوجود (أنطولوجيا) بالمعنى الارسطي للاصطلاح. وهو يطبق منهجاً دقيقاً صارماً، وهو ما يفعله سارتر أيضاً على أثر "هيدجر". أما "ياسبرز" فإنه يرفض كل "أنطولوجيا" في مجال التعريف بالوجود. ومفهوماً على الطريقة الوجودية. ولكنه من جانبه يمارس نوعاً من التأمل الميتافيزيقي، وهو يستخدم منهجاً متحرراً الى حد ما، غير مقيد بخطوات محددة.

*من كتاب: الفلسفة المعاصرة في أوروبا، إ.إم.بوشنسكي، ترجمة: د.عزت القرني، عالم المعرفة 165، سبتمبر 1992.

مجلة "جسور" الثقافية

xx باب الشمس..الرواية بين الوثيقة والسرد الجمالي .. - [مقالات]
16/03/2007, 09:04:10


يختلف تعاطي اليهود عن العرب الفلسطينيين مع جذور الصراع الذي يفرقهم ويجمعهم في آن، فعدد الكتب الإسرائيلية التي تتحدث عن المستوطنين الأوائل وحرب عام 48 والتاريخ والذكريات والروايات يتجاوز بكثير عدد ما كتبه الفلسطينيون. فبمقابل كتاب جون بيترز «من الأزل» الذي يقدم معلومات إحصائية تنفي أن يكون الفلسطينيون هم الأكثرية في أرضهم عبر التاريخ، يشعر الفلسطينيون بأنهم قد جرحوا ولكنهم لا يتحركون بفاعلية للرد، لم يأت الرد على ادعاءات بيترز من قبل الفلسطينيين بل من الأميركي اليهودي نورمان فرانكشتاين.
قد يبدو هذا غريبا، ولكنه صحيح، ذلك لأن السؤال إذا ما كان الفلسطينيون موجودين على أرض فلسطين عند قدوم المستوطنين الصهاينة الأوائل هي قضية اميركية- إسرائيلية أكثر منها فلسطينية، مثل التساؤل إذا ما كان فعلا قد تم تشريد الفلسطينيين من أراضيهم، ام لا، بالنسبة للفلسطينيين لا يوجد نقاش حول تجذرهم في فلسطين، أو حول الأسباب التي أدت إلى تشردهم فهم إما كان أهلهم يعيشون في أراضي ال48 أو سمعوا من أولئك الذين عاش أهلهم في تلك الحقبة عن طبيعة الحياة والظروف التي أجبرتهم على الفرار من فلسطين. فالكاتب الفلسطيني الذي يكتب بالعربية متوجها للجمهور العربي لا يثقل كاهله حمل إثبات حصول النكبة.
لا ينطبق هذا الوضع على الكتاب الفلسطينيين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية للقارئ في العالم الغربي، هذا قد يفسر لماذا كانت أغلب الكتب التاريخية التي كتبها فلسطينيون حول النكبة مكتوبة بالأصل باللغة الإنجليزية مثل كتب وليد الخالدي وإبراهيم أبو لغد كما يفسر لماذا قام المؤرخون الإسرائيليون الجدد لاحقا بتبني الأسلوب نفسه، حيث اكتشفوا أنه من الأسهل إقناع القارئ الغربي أن لاجئي عام 48 قد هاجرو بمحض إرادتهم، كما أشار إدوارد سعيد مرارا، الى ان جزءا من كون المرء فلسطينيا هو منعه من كتابة خبرته الشخصية بخصوص الأحداث.


هذا العبء الذي يحمله المؤرخون يرزح تحته الروائيون والشعراء أيضا، حيث ينظر إلى مقاربتهم لموضوع النكبة بعين الشك التي ترى أن الهدف من وراء العمل الشعري والروائي هو دعائي أكثر منه فني، ونتيجة لذلك، ينظر النقاد الغربيون للأعمال الأدبية الفلسطينية من منظار سياسي ضيق بدلا من المنظار الفني، لهذا ليس من المستغرب أن عدد الأعمال الأدبية الفلسطينية التي نشرت وأصبحت معروفة في الولايات المتحدة قليلة جدا.
هذا التعامل السياسي بدلا من الأدبي سيكون مصير ملحمة الياس خوري الروائية «باب الشمس» على الأغلب، والتي نشرت طبعتها العربية عام 1998 وصدرت ترجمتها الإنجليزية الممتازة لهيمفري ديفيز قبل فترة قصيرة عن دار اركيوبولجي للنشر.
الكاتب اللبناني الياس خوري والذي استمع باعتناء لشهادة الناس الذين يعيشون في المخيمات اللبنانية، منذ أن تم تهجيرهم من فلسطين على يد القوات الصهيونية عام 48 استلهم روايته من خلال تلك الشهادات. وعندما نشرت «باب الشمس» باللغة العبرية عام 2002 تعرضت مصداقية التسلسل التاريخي لموضوع النكبة للتشكيك، بالرغم أن الكتاب قد تم الإشادة به من قبل بعض النقاد الإسرائيليين، ويمكن أن يشكل ذلك عائقا في الولايات المتحدة، وهذا سيكون مؤسفا إذ أن رواية خوري تدخل في إطار الأدب وليس التاريخ.
عندما نشرت «بوابة الشمس» للمرة الأولى، قوبلت بترحيب كبير في العالم العربي وخصوصا بين الفلسطينيين (كما تبناها المخرج المصري يسري نصرالله من خلال فيلم مدته أربع ساعات والذي تم عرضه في عدة مهرجانات في الولايات المتحدة). لقد قدمت فلسطين بعض الروائيين المميزين، من أمثال إميل حبيبي وغسان كنفاني، وقد أبرز كلاهما حالة عدم الاستقرار واليأس والنفي الفلسطينية. ولكن لم يستطع حبيبي من خلال رؤيته العبثية لوضع الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل (سعيد أبو نحس المتشائل) وكذلك كنفاني من خلال روايته المريرة عن العمالة الفلسطينية في الخليج (رجال في الشمس)، أن يتناولا موضوع النكبة بشكل مباشر مفضلين أن ينقبا في أصدائها، بالتأكيد كان هناك القليل من الروايات التي تتناول موضوع النكبة ولهذا كان كثير من الفلسطينيين ممتنين لإلياس خوري لإعطائه صوتا لذكرياتهم بخصوص اللحظة الأكثر تراجيدية في تاريخهم.

أسطرة النكبة
للنكبة أبعاد أسطورية في العالم العربي، بحيث يجنح الكثير من العرب للاعتقاد بأنها حدثت بين يوم وليلة؛ فيوما كان العرب في فلسطين وفي اليوم التالي كانوا قد رحلوا، في الحقيقة ولمدة ثلاثة أشهر على الأقل بعد الهدنة بين «الدولة العبرية» وجيرانها العرب وعدم قدرة إسرائيل على منع تدفق عودة الأغلبية الفلسطينية الذين رجعوا من لبنان إلى الجليل كما يشير خوري والتي استمرت حتى منتصف الخمسينيات. لم يكتف خوري بالكتابة عن المهجرين بل كتب أيضا عن الذين كانوا في فلسطين وتسللوا للعودة إلى ديارهم في فلسطين لأوقات محدودة.
التاريخ المجهول للتسلل الفلسطيني عبر الحدود إلى إسرائيل في بدايات قيام الدولة قضية مركزية في رواية خوري، وقد أعطت «باب الشمس» الكثير من القوة والزخم، بطل الرواية يونس الأسدي، اللاجئ الفلسطيني في لبنان يقوم بعدد من الرحلات السرية إلى دير الأسد التي أجبر على تركها عام 48، خلال هذه الرحلات كان عليه أن يحذر من كلا الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وكما تظهر الرواية، شخوصا مثل يونس كانوا على استعداد للقيام بهذه الرحلة الخطرة للوقوف على أعمالهم الخاصة غير المنتهية، يشير ذلك إلى أن تأثير النكبة لم يكن غير قابل للنقض، من خلال تسجيل حالات التسلل من لبنان إلى الدولة الإسرائيلية الوليدة، يبرز خوري القضية التي تم التعتيم عليها في الرواية الرسمية لأحداث عام 48.
في واحدة من رحلات تسلل يونس الأولى، يتحدث يونس مع زوجته نهيلة التي ظلت في فلسطين، تخبره كيف صادر الإسرائيليون الأراضي وكيف حطم حجر كبير رأس ابنيهما بينما كان يلعب مع الأطفال قرب مستوطنة في الجوار، وكيف أنها هرعت لمقر الحاكم العسكري لطلب تصريح لنقل ابنها للعلاج في المستشفى وظلت حوالي ثلاث ساعات وهي تحت الاستجواب حول زوجها ونشاطاته مما أدى إلى وفاة الولد.
بعد أن علم يونس بوفاة ابنه إبراهيم تضطرم في صدره نار الانتقام ولكنه أدرك أن التصرف الفردي لا معنى له فيعود إلى لبنان لتنظيم جيش شعبي فلسطيني ويختار طريق الحرب بدلا من الانتقام حيث أصبح رمزا أسطوريا للمقاومة. ولكن الياس خوري لا يغيب النقد عن المقاومة الفلسطينية، والتي يضعها في قالب رد الفعل، فيأخذنا عبر محطات المقاومة المختلفة، ابتداء من الحقبة التي كانت فيها مقرات المقاومة في الأردن إلى مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية، عندما خدم يونس في القيادة المناطقية لحركة فتح، وكانت كل مرحلة تعيد النضال إلى المربع الأول كما ظل يونس يردد محاولا استجماع قوته والبدء من جديد.
يسجل قصة يونس صديقه خليل أيوب الذي رعاه في مستشفى الجليل الواقعة في مخيم شاتيلا في بيروت، والتي أدخل إليها يونس بعد انفجار في الدماغ أحدث عاهة دائمة، يوصف خليل أنه طبيب ولكنه ليس كذلك بمعنى الكلمة، كان خليل منظرا سياسيا سابقا في منظمة التحرير الفلسطينية درس الطب الميداني في الصين، والذي استمر بالتحدث مع خليل طيلة ثلاثة أشهر محاولا إيقاظه من غيبوبته، «هل هو حي أم ميت، لا أعرف إذا ما كنت أساعده أو أخسره» ظل خليل يتساءل.
محبطا من صمت يونس، يتوجه خليل لأم حسان حكيمة مخيم شاتيلا طالبا المشورة، في صفحات الرواية الأولى نقرأ أن أم حسان كانت دائما تخبر الناس بالحقيقة، فقد عرفت على سبيل المثال أن حرب عام 1967 لن تجلب غير الكوارث، وقد تنبأت أن الفلسطينيين لن يعودوا إلى أرضهم حتى يوم مماتهم، عندما يشتكي لها خليل من صمت يونس تصر هي انه يستطيع الكلام وتقول له (أنت تستطيع سماع صوته إن أردت) وبالرغم من أن خليل ظل لا يستطيع أن يسمع صوت يونس الذي، وبحسب الأطباء يعتبر ميتا سريرا، إلا أنه رفض أن يتخلى عن الأمل (سأظل أتحدث معك وأروي لك الحكايات، وأعد لك الشاي، سأظل أجلس على الكرسي تحت أشجار بيتك وأروي لك الحكايات).. كان خليل يخاطب يونس بغيبوبته.

تسلية سوداوية
رواية «باب الشمس» ،التي تبدأ وتستمر الرحلات الأسطورية عبر صفحاتها الخمسمائة وتسع وثلاثين، ليست كحكاية ألف ليلة وليلة الممتعة والمثيرة، فهذه الرواية مرتبطة بشخص يموت، أو مات فعلا، شخصية عظيمة، وكأن الراوي يأخذ دورا في احتفال ديني، لا نجد في ثنايا القصة تلك التسلية السوداوية التي طبعت أذهان الأجيال الفلسطينية طوال عقود.
ينظر للسيناريو المطروح في «باب الشمس» على أنها رواية الصمود والطموح التي تسعى لإماطة اللثام عن تفاصيل التاريخ الفلسطيني، إن أغلب كتاب الرواية الفلسطينيين فضلوا التركيز على عناصر معينة من التجربة الفلسطينية لسبب وجيه، نظرا لأن التجربة الفلسطينية كانت زاخرة بالأحداث والاضطرابات والانقسامات والتعقيدات، حيث تداخلت بالحرب العالمية الثانية وقضية «الهولوكوست» والحرب الباردة والسياسات العربية الداخلية مثل أحداث أيلول الأسود في الأردن والحرب الأهلية اللبنانية وحرب الخليج والتي تبدو عصية على التدوين الدرامي، حتى عندما يتم استحضاره، أحداث الرواية تبدو غير واردة الحدوث على كوكب أسطوري، كوكب أكبر من عالم الرواية، يبدو الياس خوري مدركا لهذه الإشكالية، فيقول راوي «باب الشمس» في أحدى النقاط أن «الروائي غسان كنفاني لم يكتب عن معاناتك يا يونس أثناء النكبة لأنه كان يبحث عن قصص أسطورية، بينما قصتك يا يونس هي قصة رجل واقع في الحب»؛ بالرغم من أن «باب الشمس» ليست رواية رجل واقع في الحب بقدر ما هي تأريخ لشعب كامل.
فتحت الرواية وخصوصا في عام 1995 بعد شهرين من توقيع اتفاق أوسلو الثاني بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، نقاشا تناول حالة الفلسطينيين الموجودين في الأراضي المحتلة بينما ترك الفلسطينيون يتشردون في كل أنحاء العالم العربي، قوبل توقيع اتفاق اوسلو الثاني بدموع الشعور بالخيانة في المخيمات، والتي تحولت إلى أماكن إقامة دائمة للعديد من الأجيال الفلسطينية خصوصا في لبنان بلد الروائي الياس خوري، حيث ينتظر أكثر من خمس وثلاثين ألفا من الفلسطينيين العودة إلى ديارهم. بمعنى من المعاني تمثل شخصية يونس في الرواية كل أولئك اللاجئين اللذين خذلوا من قبل الفريق المفاوض في أوسلو بجرة قلم، تلك القيادة التي تلقت هزيمة كبرى في الانتخابات العامة في 25 -1 -2006 في الأراضي المحتلة.
عندما يتم إحضار يونس إلى المستشفى في بداية الرواية، يتم إعلانه ميتا على الفور، ولم ترد إدارة المستشفى تخصيص غرفة له، يرفض خليل هذا الحكم ويمارس سلطة طبية لا حق له بها من الأساس، ويجد له غرفة. برواية القصص ليونس، يأمل (الطبيب) خليل أن يبعث الحياة في مريضه، ولكن هل تستطيع الروايات والذكريات أن تبقي على استمرارية ذلك الفلسطيني المكافح يسأل يونس: هل تظن أننا نستطيع أن ننشئ لنا وطنا بين هذه الروايات الغامضة ولماذا يجب أن ننشئ وطنا، لماذا نحن بين كل شعوب العالم علينا أن نحلم بإنشاء وطن حتى لا نخسر كل شيء ونذهب في سبات أبدي؟
إجابة الياس خوري توحي بأن سرد الروايات هو طريق الشعوب المهزومة للاحتفاظ بذكرياتها وإبقاء نفسها حية وتذكير العالم بوجودها، ورفضها للاستسلام، وبعيدا عن تسجيل «باب الشمس» للتاريخ التراجيدي فإنها تؤكد أنه على الرغم من الأفعال الأخيرة لقادة فلسطين إلا أن فلسطين لن تموت وبحسب تعبير خوري (لا زال الفلسطينيون يسعون إلى النهاية السعيدة وينتظرون). بالرغم من ذلك يبدو أن خوري يعترف بمحدودية تأثير الرواية كشكل من أشكال المقاومة، لأنها قد تأخذ الشخص بعيدا عن الواقع الذي يفترض أن تعكسه، وبالنسبة ليونس يبدو أن الواقع يتسرب من بين أصابعه. في إحدى مراحل الرواية يسأل خليل يونس إذا ما كان يعرف أين هو فيجيب:
«كل شيء هنا ليس حقيقيا ولكنه مشابه للواقع، نقول منزل ولكننا لا نعيش في منازل، نعيش بأماكن شبيهة بالمنازل.نقول بيروت ولكننا لسنا حقا في بيروت نحن في مكان شبيه ببيروت، أقول طبيب ولكني أتظاهر بأني طبيب فأنا لست طبيبا حقيقيا، حتى المخيم، نقول إننا في مخيم شاتيلا، ولكن بعد حرب المخيمات ودمار ما يقارب ثمانين بالمائة من منازل شاتيلا، لم يعد مخيما، لقد صار شبيها بالمخيم».

إغراء القراءة
من الصعب مقاومة إغراء قراءة مثل هذه الصفحات بشكل بعيد عن المعنى الأدبي البحت، فالمستشفى قد تمثل فلسطين أو منظمة التحرير الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو، منزل مريض يديره شبه طبيب، شبه مستشفى يتداعى بها كل شيء حيث المرضى يبقون أحياء بسماع الروايات التي لا بداية ولا نهاية لها (بلاد الكلمات) كما كتب محمود درويش بمرارة ذات مرة.
مخاطرا بأن أتناقض مع طرحي بضرورة عدم قراءة الروايات عن فلسطين من خلال مدلولاتها السياسية بدلا من الأدبية لم أستطع منع نفسي من ملاحظة أن تصوير الروائي خوري لفلسطين كرواق مليء بالمرايا قليل الارتباط أو لا علاقة له بالواقع، بالتأكيد هذه الرواية انعكاس لفلسطين ولاجئيها الذين تم إدخالهم في دوامة طوال أكثر من نصف قرن ( وربما أيضا أولئك الفلسطينيون الذين بقوا في «إسرائيل»)، ومرتبطة برغبة خوري لإبراز حقيقة وضع اللاجئين وإبقاء قصتهم حية ومثيرة للإعجاب، ولكنه يتغاضى عن تلك الأجزاء من فلسطين التي بقيت رسميا خارج حدود إسرائيل وحيث يعيش فيها أغلب الفلسطينيين تحت الاحتلال. رام الله حيث أقيم تعتبر فلسطين حقيقة واقعية وليست مجرد شبكات لا منتهية من الروايات.

توالد القصص
توالد القصص يعد إشكالية بالنسبة لرواية «باب الشمس» كعمل أدبي وكرواية، وليس من منظار سياسي أو كتأريخ لشهادات شفهية.
قبل نهاية الجزء الأول من الرواية، يقف خليل ويقول: «طوال ثلاثة شهور وأنا أقص عليك القصص، التي أعرفها والتي لا أعرفها، ولا تستطيع أنت أن تصحح أخطائي ولهذا فأنا أرتكب الأخطاء من وقت لآخر، نشف حلقي من كثر الكلام، لقد جفت عروقي»: «يقول خليل انه يشعر بأنه أسير للقصة، أنا أغرق، المياه تحيط بي، إني أبتلع المياه والكلمات وأحكي القصة» هذه الكلمات يمكن أن تعبر عن حالة القارئ الذي يشعر أنه تائه في دوامة القصص من دون إطار محدد أو سيطرة للمؤلف على مادة الكتابة، فكرة الكتاب رائعة ولكن طريقة التنفيذ غير متوازنة على أفضل تقدير.
في الجزء الثاني من «باب الشمس»، يعبر خليل عن خوفه من التاريخ الذي يكتب بنسخة واحدة بالرغم من وجود عدد من النسخ، لأن هذا التأطير يؤدي إلى الموت، لهذا ربما قام خوري بالولوج إلى منطقة قل تناولها من قبل الكتاب وهي «الهولوكوست»، يصف خوري رؤية الراوي وهو يتخيل أم حسن تتجول في الحقول بين ألوف آخرين من دون منازل، كابوس اليقظة هذا يستمر، ولكن المشهد ينتقل فجأة من فلسطين لأوروبا المحتلة من قبل النازيين: «أراها واسمع صفير القطارات حين تم تجميع اللاجئين وتوزيعهم على المخيمات، صفير القطارات يرن في أذني، أشاهد الناس وهم يقتادون إلى القطار الأخير، أرى القطارات وأبتلع لعابي، ثم أرى نفسي محمولا إلى بيسان على رأس امرأة وأشعر بالخوف»، يقول الراوي «أنت وأنا وكل إنسان في العالم كان يجب أن نفهم لا أن نكتفي بالصمت، كان يجب أن نمنع الوحش من تدمير ضحاياه بهذه البربرية غير المسبوقة، ليس لأن الضحايا كانوا يهودا ولكن لأن موتهم عنى موت الإنسانية في داخلنا، أنت وأنا، كنا خارج التاريخ، ولهذا أصبحت أنت الضحية التالية».
منذ أن قدمت إسرائيل نفسها على أنها الكفارة عن الكارثة التي لحقت بأوروبا، يقترح خوري أن الفلسطينيين فجأة اضطروا أن يروا أنفسهم من خلال سياق التاريخ اليهودي، هنا يتغلب خليل على عجزه ويتحول إلى متنبئ مخبرا يونس: «لا يجب أن نرى أنفسنا من خلال عيونهم فقط (اليهود)، لأنهم أسيرو قصة واحدة (الهولوكوست)، وكأنما هذه القصة قد اختصرت العالم وغيرتهم، أرجوك يا أبي لا يمكن أن نصبح مجرد قصة واحدة، دعني أحررك من قصة الحب الوحيدة ، لأني أراك كرجل تخون وتطلب الغفران وتحب وتخاف وتموت، صدقني إنها الطريقة الوحيدة كي لا نتحنط ونموت، أنت لم تختصر بقصة واحدة، ستموت ولكنك ستصبح حرا، متحررا من كل شيء، حتى من قصتك». ويقول: «لقد رأيت صورتك من خلال أعينهم، أرى مرآة مكسورة إلى شطرين ولا يمكن إصلاحها إلا من خلال جمع الشطرين معا. يا الله هذه هي المأساة أن ترى الجانبين معا فقط في الحرب والهزيمة».

مرايا مشروطة
الصورة التي تقدم الفلسطينيين والإسرائيليين كشطري مرآة مكسورة تحدث صدمة، ولكن نشاز اللحن يبقى مستمرا، فرؤية الراوي غير مقنعة، بمقدار ما هي قصة اليهود الذين تركوا لبنان واستقروا في إسرائيل غير مقنعة أيضا، في إحدى حكايا خليل تعود أم حسان لموطنها الذي أصبح الآن مستوطنة «بيت هاميك» شمالي إسرائيل، حيث تلتقي أليا دويك اليهودي اللبناني الذي يقيم في المنزل الذي كان لها يوما، ترحب بها دويك قائلة: «كنت انتظرك منذ زمن طويل»، عندما تعرف أن أم حسان تعيش الآن في مخيم في بيروت، تغرق عيناها بالدموع وتقول إنها أيضا من بيروت، «لقد أحضروني إلى هنا عندما كنت في الثانية عشرة من عمري» وتتذكر: «تركت بيروت وجئت إلى هذه الأرض القفراء»، وعندما تسألها أم حسان عن كيفية حدوث ذلك ترد عليها: «ماذا تعنين كيف حدث ذلك؟ أنت تسكنين بيروت وتأتين هنا باكية؟ انهضي يا صديقتي واذهبي، خذيني إلى بيروت وخذي هذه الأرض البائسة».
بينما يعرف عن يهود البلاد العربية والإسلامية تعلقهم ببلادهم ألأصلية، تبكي «آليا دويك» لأنها لا تعرف لماذا تركت لبنان إلى إسرائيل، وهذه معلومة مزيفة، كما هي معلومة أنها كانت بانتظار أم حسان، المرأة التي تحمل مفاتيح المنزل التي تحتله دويك الآن. النقطة التي يثيرها خوري مدعاة للإعجاب وهي أن قدر هاتين السيدتين، مشاركتهما تاريخ فلسطين هي مسألة متداخلة، وأن أحداث عام 1948 قطعت الخيوط بين العرب واليهود الأصليين سكان المنطقة.
عندما نقرأ «باب الشمس»، يتشكل عند المرء انطباع أن خوري كان مرتبطا بشدة بالحكايات التي سمعها، بحيث لم يستطع أن ينحاز لأي منها، قصة المرأة التي تركت المنزل بينما كانت البيارات لا زالت تحترق، المرأة التي فقدت أولادها وهي تهرب من فلسطين، مغامرات الناس الذين ظلوا في فلسطين والمصاعب التي واجهوها، رحلات أولئك الناس الذين حصلوا على جوازات سفر أجنبية في الغرب والتي مكنتهم من زيارة إسرائيل، هذه الروايات مألوفة للاجئين الفلسطينيين، ولكن الرغبة في إخبارهم عن كل هذه القصص قد أنتجت كتابا متخما، واستخدام الكاتب لشخصية خليل ليتحدث ليونس الواقع في الغيبوبة عن أعماله وأفكاره مستشفا ردة الفعل، وطارحا أسئلة لا إجابة عنها يجعل الرواية الطويلة طويلة بحق.
كانت النكبة الحدث الفاصل في تاريخ الفلسطينيين كأمة، وخصوصا بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين بقوا قي المخيمات، والذين كان قدرهم أصعب من أية مجموعة فلسطينية أخرى، وقد استمع الياس خوري إلى حكايتهم باهتمام واقتناع وكان بين القلة الذين قدموا ذكريات الفلسطينيين من خلال عمل أدبي، يميل الفلسطينيون للاعتقاد أن كل عمل أدبي عن فلسطين يجب أن يشمل كل تفاصيل التجربة الفلسطينية، من المؤسف أن الياس خوري الكاتب غير الفلسطيني كان مدفوعا لتحقيق هذا الهدف المستحيل من خلال عمله.
تبقى رواية «باب الشمس» مهمة في إطار محاولة التقاط تفاصيل التجربة الفلسطينية أثناء وبعد عام 1948 وهي رواية فريدة وقوية ويقدر لدار أركيولوجي للنشر توفيرها للجمهور الاميركي.

جريدة الرأي الأردنية

[1]

Arab Atheists Network admin@el7ad.com
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها
تأسس الموقع في 26/3/2006
تم إنشاء الصفحة في 0.356 ثانية مستخدما 13 استفسار.